سيد محمد طنطاوي
232
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال الآلوسي : وقد رأينا كثيرا من الناس على نحو هذه الصفة التي وصف اللَّه - تعالى - بها المشركين ، يهشون لذكر أموات يستغيثون بهم ويطلبون منهم ، ويطربون من سماع حكايات كاذبة عنهم . . وينقبضون من ذكر اللَّه - تعالى - وحده - ونسبة الاستقلال بالتصرف إليه - عز وجل - وسرد ما يدل على مزيد عظمته وجلاله . وينفرون ممن يفعل ذلك كل النفرة ، وينسبونه إلى ما يكره . . « « 1 » . ثم أمر اللَّه - تعالى - نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلم أن يلتجئ إلى خالقه وحده من شرور هؤلاء المشركين ، وأن يفوض أمره إليه ، فقال - تعالى - * ( قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأَرْضِ ، عالِمَ الْغَيْبِ والشَّهادَةِ ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيه يَخْتَلِفُونَ ) * . ولفظ : * ( اللَّهُمَّ ) * أصله يا اللَّه . فلما استعمل دون حرف النداء . عوض عنه بالميم المشددة التي في آخره . ولفظ « فاطر ، وعالم » منصوبان على النداء . أي : قل - أيها الرسول الكريم - على سبيل الاستعاذة والاعتزال لما عليه هؤلاء المشركون من جهل وسفه ، يا اللَّه ، يا خالق السماوات والأرض ويا عالم الغائب والمشاهد . والخفي والظاهر من أمور خلقك ، أنت وحدك الذي تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون في الدنيا ، فتجازى كل نفس بما تستحقه من ثواب أو عقاب . وما دام الأمر كذلك ، فاهدني إلى صراطك المستقيم ، وجنبني الشرك والمشركين . فالمقصود بالآية الكريمة تسلية الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم عما فعله المشركون معه ، وإرشاده إلى ما يعصمه من كيدهم . وتعليم العباد وجوب الالتجاء إلى اللَّه - تعالى - وحده - لدفع كيد أعدائه عنهم . وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث ، منها ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال : سألت عائشة : بأي شيء كان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم يفتتح صلاته إذا قام من الليل ؟ قالت : كان إذا قام من الليل افتتح صلاته بقوله : « اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السماوات والأرض . عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم . . » « 2 » .
--> ( 1 ، 2 ) راجع تفسير الآلوسي ج 24 ص 11 .